الشريف المرتضى
83
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
فإن قال : لا ، لأنّ فصاحة القرآن هي نهاية ما يمكن في اللّغة العربيّة . قيل له : ومن أين لك هذا ؟ وما الدّليل على أنّه لا نهاية بعدها ؟ فإن رام أن يذكر دليلا على ذلك ، لم يجد . وكلّ من له أدنى معرفة وإنصاف يعلم تعذّر الدّليل في هذا الموضع . وإن قال : القديم تعالى يقدر على ما هو أفصح من القرآن . قيل : فألّا فعل ذلك ؟ ! فإنّا نعلم أنّه لو فعله لظهرت الحجّة وتأكّدت ، وزالت الشّبهة وانحسمت ، ولم يكن للرّيب طريق على أحد في أنّ القرآن غير مساو لكلام العرب ولا مقارب ، وأنّه خارق لعاداتهم ، خارج عن عهدهم . فإن قال : قد يجوز أن يعلم تعالى أنّه لا مصلحة في ذلك ، وأنّ المصلحة فيما فعله . ولو علم في خلافه المصلحة لفعله . قيل له : فبمثل هذا أجبناك . على أنّا لو سلّمنا للسّائل ما يدّعيه من أنّ فصاحة القرآن قد بلغت النّهاية ، وأنّ القديم تعالى لا يوصف بالقدرة على ما هو أفصح منه ، لكان الكلام متوجّها أيضا ، لأنّه ليس يمتنع أن يسلب اللّه تعالى الخلق في الأصل ، العلوم التي يتمكّنون بها من الفصاحة الّتي نجدها ظاهرة في كلامهم وأشعارهم ، ولا يمكّنهم منها . وإن مكّنهم
--> المقدور من الفصاحة ، فلا يوصف تعالى بالقدرة على ما هو أفصح منه ! قلنا : هذا غلط فاحش ، لأنّ الغايات التي ينتهي الكلام الفصيح إليها غير محصاة ولا متناهية . ثمّ لو انحصرت على ما ادّعى لتوجّه الكلام ، لأنّ اللّه تعالى قادر بغير شبهة على أن يسلب العرب - في أصل العادة - العلوم التي يتمكّنون بها من الفصاحة التي نراها في كلامهم وأشعارهم ، لا يمكنهم من هذه الغاية التي هم الآن عليها ، فيظهر حينئذ مزيّة القرآن وخروجه عن العادة ، ظهورا تزول معه الشبهات ، ويجب معه التسليم . فألّا فعل ذلك إن كان الغرض ما هو أظهر وأبهر ؟ ! » .